المسعودي

232

مروج الذهب ومعادن الجوهر

فيسمعون كلام أولئك الرجال المرتبين على هذا النهر وما يقولون من تزهيدهم في هذا العالم والترغيب فيما سواه ، فيطرحون أنفسهم من أعالي تلك الجبال العالية على تلك الأشجار العادية والسيوف والحدائد المنصوبة ، فيتقطعون قطعاً ، ويصيرون إلى هذا النهر أجزاء ، وما ذكرنا فموصوف عنهم وما يفعلون على هذا النهر كذلك . وصف شجر عجيب : وهناك شجر من إحدى عجائب العالم ونوادره والغرائب من نباته ، يظهر من الأرض أغصان مشتبكة من أحسن ما يكون من الشجر والورق ، فتستقيم في الجو كأبعد ما يكون من طوال النخل ، ثم ينحني جميع ذلك منعكساً فيعود في الأرض مندساً ، ويهوي في قعرها سفلا على المقدار الذي ارتفع به في الهواء صُعداً ، حتى يغيب عن الابصار ، ثم تظهر أغصان بادئة على حسب ما وصفنا في الأول فتذهب صُعداً ، ثم تنقطر منعكسة ، ولا فرق بين المقدار الذي يذهب منها في الهواء ويتسع في الفضاء وبين ما يغيب منه تحت الأرض ويتوارى تحت الثرى ، فلو لا ان الهند قد وكلت بقطعه من يراعيه من أمره لأمر يذكرونه ، وخطر في المستقبل يصفونه ، لطبق على تلك البلاد ولغشي تلك الأرض ، ولهذا النوع من الشجر أخبار يطول ذكرها ، يعرفها من طرأ إلى تلك البلاد ورآها ، أو نمي اليه خبرها . والهند تعذب أنفسها على ما وصفنا بأنواع العذاب من دون الأمم ، وقد تيقنت أن ما ينالها من النعيم في المستقبل مؤجلًا لا يكون بغير ما أسلفته هو ما أسلفته وعذبت به أنفسها من تعذيب أنفسها في هذه الدار معجلًا ، ومنهم من يصير إلى باب الملك يستأذن في إحراقه نفسه ، فيدور في الأسواق وقد أجِّجت له النار